ابن قيم الجوزية

510

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

خلفنا : قفوا . أيها الركب اللئام . أعطيتموني ثمن قراي ؟ ثم إنه لحقنا ، وقال : لتأخذنّه أو لأطاعننكم برمحي . فأخذناه وانصرف . فتأمل سر التقدير . حيث قدر الحكيم الخبير - سبحانه - استئثار الناس على الأنصار بالدنيا - وهم أهل الإيثار - ليجازيهم على إيثارهم إخوانهم في الدنيا على نفوسهم بالمنازل العالية في جنات عدن على الناس . فتظهر حينئذ فضيلة إيثارهم ودرجته ويغبطهم من استأثر عليهم بالدنيا أعظم غبطة . وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم . فإذا رأيت الناس يستأثرون عليك - مع كونك من أهل الإيثار - فاعلم أنه لخير يراد بك . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . مراتب الجود و « الجود » عشر مراتب : إحداها : الجود بالنفس . وهو أعلى مراتبه ، كما قال الشاعر : يجود بالنفس ، إذ ضنّ البخيل بها * والجود بالنفس أقصى غاية الجود الثانية : الجود بالرياسة . وهو ثاني مراتب الجود . فيحمل الجواد جوده على امتهان رياسته ، والجود بها والإيثار في قضاء حاجات الملتمس . الثالثة : الجود براحته ورفاهيته ، وإجمام نفسه . فيجود بها تعبا وكدّا في مصلحة غيره . ومن هذا جود الإنسان بنومه ولذته لمسامره ، كما قيل : متيّم بالنّدى لو قال سائله : * هب لي جميع كرى عينيك ، لم ينم الرابعة : الجود بالعلم وبذله . وهو من أعلى مراتب الجود . والجود به أفضل من الجود بالمال . لأن العلم أشرف من المال . والناس في الجود به على مراتب متفاوتة . وقد اقتضت حكمة اللّه وتقديره النافذ : أن لا ينفع به بخيلا أبدا . ومن الجود به : أن تبذله لمن يسألك عنه ، بل تطرحه عليه طرحا . ومن الجود بالعلم : أن السائل إذا سألك عن مسألة : استقصيت له جوابها جوابا شافيا ، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة ، كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا « نعم » أو « لا » مقتصرا عليها . ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - في ذلك أمرا عجيبا : كان إذا سئل عن مسألة حكمية ، ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة ، إذا قدر ، ومأخذ الخلاف ، وترجيح القول الراجح . وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته . فيكون فرحه بتلك المتعلقات ، واللوازم : أعظم من فرحه بمسألته . وهذه فتاويه - رحمه اللّه - بين الناس . فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك . فمن جود الإنسان بالعلم : أنه لا يقتصر على مسألة السائل . بل يذكر له نظائرها ومتعلقها ومأخذها ، بحيث يشفيه ويكفيه .